أحمد بن محمد المقري التلمساني
325
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
تجديد اللّواء ، فلمّا رأوا تحت اللواء أسمالا خلقة « 1 » ملفوفة معقدة جهلوها فاسترذلوها ، وأمروا بحلّها ونبذها « 2 » ، وجدّدوا غيرها ، وكان جهور بن يوسف بن بخت شيخهم غائبا ، فحضر في اليوم الثاني ، وطولع بالقصّة ، فأنكرها أشدّ إنكار ، وساءه ما فعلوه ، وقال : إن جهلتم شأن تلك الأخلاق « 3 » فكان ينبغي أن تتوقّفوا عن نبذها حتى تسألوا المشايخ وتتفكّروا في أمرها ، وخبرهم خبرها ، فتطلّبوا تلك الأخلاق « 4 » فلم توجد ، ويقال كما قال ابن حيان : إنه لم يزل يعرف الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم ، وقد كان الذي عقده أوّلا عبد اللّه بن خالد من موالي بني أمية ، وكان والده خالد عقد لواء مروان بن الحكم جدّ عبد الرحمن الأعلى لمّا اجتمع عليه بنو أمية وبنو كلب بعد انقراض دولة بني حرب « 5 » على قتال الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط ، فانتصر على الضحاك وقتله ، ولمّا عرف الأمير بقصة اللواء حزن أشدّ حزن ، وانفتقت عليه إثر ذلك الفتوق العظام ، وكانوا يرون أنها جرت بسبب اللواء لأنه لم ينهزم قطّ جيش كان تحته ، على ما اقتضته حكمة اللّه التي لا تتوصّل إليها الأفكار ، وتولّى حمل هذا اللواء لعبد الرحمن الداخل أبو سليمان داود الأنصاري ، ولم يزل يحمله ولده من بعده إلى أيام محمد بن عبد الرحمن . ولمّا تلاقى عبد الرحمن الداخل مع أمير الأندلس يوسف الفهري بالقرب من قرطبة وتراسلا ، فخادعه يومين آخرهما يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائة ، أظهر عبد الرحمن قبول الصلح ، فبات الناس على ذلك ليلة العيد ، وكان قد أسرّ خلاف ما أظهر ، واستعدّ للحرب ، ولمّا أصبح يوم الأضحى لم ينشب « 6 » أن غشيت الخيل ، ووكّل عبد الرحمن بخالد بن زيد ، الكاتب رسول يوسف جماعة ، وأمرهم إن كانت الدائرة عليهم أن يضربوا عنقه ، وإلّا فلا ، فكان خالد يقول : ما كان شيء في ذلك الوقت أحبّ إليّ من غلبة عبد الرحمن الداخل عدوّ صاحبي ، وركب عبد الرحمن جوادا ، فقالت اليمانية الذين أعانوه : هذا فتّى حديث السنّ تحته جواد وما نأمن أول ردعة « 7 » يردعها أن يطير منهزما على جواده ويدعنا ، فأتى عبد الرحمن أحد مواليه فأخبره بمقالتهم ، فدعا أبا الصباح ، وكان له بغل أشهب
--> ( 1 ) الأسمال : البالية . والخلقة : البالية أيضا . ( 2 ) نبذها : طرحها ورميها . ( 3 ) الأخلاق : البالية . ( 4 ) الأخلاق : البالية . ( 5 ) دولة بني حرب : أي دولة أبناء أبي سفيان الذين ابتدؤوا بمعاوية وانتهت دولتهم باستيلاء مروان بن الحكم على الخلافة . ( 6 ) لم ينشب : لم يلبث . ( 7 ) أول ردعة : أراد أول هجمة تقع بينه وبين عدوّه .